مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
115
شرح فصوص الحكم
لهم هذه الطريقة باعتباره ما شرعه ( حق رعايتها ) أي فلم يعظموها حق تعظيمها ولم يعبدوا اللّه بها وما أوجبها على أنفسهم ( إلا ابتغاء رضوان اللّه لذلك ) أي ولأجل علمهم حصول رضوان اللّه فيها لمن يعمل بها ( اعتقدوها ) وعملوا بها فمن أقامها بحقها قال اللّه تعالى في حقهم ( فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا بها بالإيمان الصحيح وهو الإيمان بمحمد عليه السلام وانقادوا إليها ( مِنْهُمْ ) أي من هؤلاء ( أَجْرَهُمْ ) وهو الرضوان وثواب الدار الآخرة ( وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ من أي من هؤلاء الذين شرع فيهم هذه العبادة ) أي شرع اللّه في حقهم بعد أن شرعوا لأنفسهم باختراعهم هذه العبادة ( فاسقون أي خارجون عن الانقياد إليها والقيام بحقها ) ولم يؤمنوا بمحمد عليه السلام ( ومن لم ينقد إليها ) إلى هذه العبادة ( لم ينقد إليه مشرّعة ) أي مشرّع ذلك الشرع وهو الحق ، فإنه لما اعتبره فقد أضاف إليه تعالى فكان أجره على اللّه ( بما يرضيه ) عن إعطاء الجنة فإن الرضوان وثواب الدار الآخرة أجر الانقياد فمن لم ينقد إلى الشرع لم ينقد إليه واضع الشرع بإعطاء الجنان التي لو انقاد حصلت له تلك الجنان فالمراد بقوله : وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ هم الرهبان الذين لم يؤمنوا بمحمد عليه السلام . قال بعض العلماء فرض اللّه عليهم هذه الطريقة بعد اختراعهم وأوجبهم على أنفسهم وقال بعضهم ذلك كالتطوع من التزمه للَّه لزمه كالنذر والصحيح عندي أنه لا يكتب عليهم بعد ذلك فلو ترك واحد منهم هذه الطريقة بعد شروعهم أو بعض آدابها وعمل بالشرع الذي جاء في العامة من عند اللّه لم يؤاخذ على ذلك ولكن لم يحصل له الدرجات العالية في الدنيا والآخرة التي هي لعاملها وليس ذلك كالتطوع نحو الصلاة والصوم ولا كالنذر حتى لزم من التزمه بل هو كمن ذهب إلى الكعبة بقصد الزيارة ولم ينذر فإذا رجع بدون شروع بركن من أركانها لم يلزم عليه شيء فطريقتنا كذلك فمن شرع منا إلى هذه الطريقة ورجع قبل التكميل وترك العمل مقرّا بحقيتها وعمل بالشرع العام فله الأجر بقدر عمله ولا يعاقب على تركه ومن ترك التكميل وتحصيل المعرفة والكمال بعدم طاقة نفسه بالأعمال الشاقة أو للمصالح اللازمة له وتحقق بأركان الشرائع وواجباتها وسننها وله أجر غير مقطوع في الدنيا والآخرة فهو كمن عمل في جميع الأوقات ( لكن الأمر ) الإرادي ( يقتضي الانقياد ) من الجانبين وإن كان الأمر التكليفي يقتضي عدم انقياد المشرّع إلى من لم ينقد إلى شريعة المشرّع ( وبيانه ) أي بيان اقتضاء الأمر الانقياد ( إن المكلف إما منقاد بالموافقة أو مخالف فالموافق المطيع لا كلام فيه لبيانه ) فإنه ينقاد إليه مشرّعه كما ينقاد هو إليه ( وأما المخالف فإنه يطلب بخلافه الحاكم عليه ) أي يطلب بسبب خلافه الذي يحكم عليه ويمنعه عن الطاعة ( من اللّه حد أمرين : أما التجاوز والعفو وأما الأخذ على ذلك ) الخلاف ( ولا بد من أحدهما لأن الأمر حق ) أي مطابق للواقع ( في نفسه ) لا يخلو من أحدهما ( وعلى كل حال ) أي حال انقياد العبد وعدم انقياده ( قد صح انقياد الحق إلى عبده لأفعاله ) أي لأفعال العبد ( وما هو عليه )